شيماء إبراهيم
تضاعف المملكة العربية السعودية جهودها للاستثمار في قطاع الرقائق الإلكترونية التي تصنف كأحد الأعمدة الحيوية للاقتصاد الرقمي العالمي، وذلك في إطار خطتها الاستراتيجية التي تعكس طموحها للتحول إلى مركز عالمي للتقنية الحديثة. إذ تسعى المملكة، ضمن مستهدفات رؤية 2030، إلى تنويع اقتصادها بعيدًا عن النفط، عبر اتجاهها لصناعة أشباه الموصلات، التي تمثل ركيزة أساسية لتقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة والاتصالات والسيارات الكهربائية.
يشهد هذا القطاع العالمي منافسة شديدة ونقصًا متزايدًا في سلاسل التوريد، ما يفتح المجال أمام اللاعبين الجدد لسد الفجوة وتحقيق مكاسب استراتيجية. ومن خلال شراكات دولية، وتمويلات ضخمة، وتأسيس مراكز بحث وتطوير، تعتزم السعودية تعزيز حضورها في هذا المجال الواعد، بما ينسجم مع طموحاتها للتحول إلى اقتصاد معرفي ومصدر للتقنيات المتقدمة.
أهمية الرقائق الإلكترونية
تُعد الرقائق الإلكترونية حجر الزاوية في الثورة الرقمية، حيث تلعب دورًا حاسمًا في تشغيل معظم الأجهزة والأنظمة التي يعتمد عليها العالم اليوم. قدر حجم السوق العالمي للرقائق الإلكترونية بحوالي 600 مليار دولار في 2024، ومن المتوقع أن يتجاوز 800 مليار دولار بحلول 2030، وفقًا لتقديرات شركة "ماكينزي".
فهذه الشرائح الصغيرة، المصنوعة من مواد شبه موصلة، تُشكّل الأساس الذي تُبنى عليه تقنيات المستقبل في عدة قطاعات مثل:-
-الأجهزة الذكية: تمثل الرقائق الإلكترونية المكوّن الحيوي في تشغيل الهواتف الذكية والحواسيب والأجهزة اللوحية وشاشات التلفاز الذكية. كما تدخل في تشغيل أجهزة إنترنت الأشياء (IoT) التي تُستخدم في المنازل الذكية.
-السيارات الحديثة والكهربائية: باتت السيارات، خاصة الكهربائية وتلك المزوّدة بأنظمة مساعدة على القيادة، تعتمد بشكل كبير على الرقائق الإلكترونية. إذ تحتوي كل مركبة حديثة على مئات الشرائح التي تتحكم في أنظمة الملاحة والفرامل والاستشعار والتحكم الذاتي.
-القطاع الطبي: تلعب الرقائق دورًا محوريًا في الأجهزة الطبية المتقدمة، بدءًا من أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي والأشعة، إلى أجهزة مراقبة المؤشرات الحيوية للمرضى، مما يفتح آفاقًا جديدة للتشخيص والعلاج.
-الذكاء الاصطناعي: تشكل الرقائق الإلكترونية عنصرًا أساسيًا في تشغيل مراكز البيانات، وتُستخدم في دعم أنظمة الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق، حيث تتيح معالجة كميات ضخمة من البيانات بسرعة وكفاءة عالية.
-الأمن السيبراني: تُستخدم الرقائق أيضًا في حماية البيانات وتأمين الهوية الرقمية، من خلال دعم عمليات التشفير، وبطاقات الهوية الذكية، وأجهزة الدفع الإلكتروني، مما يجعلها عنصرًا حيويًا في مواجهة التهديدات السيبرانية المتزايدة.
خطوات متسارعة لتوطين الصناعة
تواصل المملكة تعزيز مكانتها كمركز إقليمي للتقنية المتقدمة، من خلال إطلاق سلسلة من المبادرات الطموحة لتوطين صناعة أشباه الموصلات، أحد أبرز القطاعات الحيوية في الاقتصاد الرقمي العالمي. وانطلقت هذه الجهود مع تنظيم أول مؤتمر لمستقبل أشباه الموصلات في 2022 بالرياض، أعقبه نسختان إضافيتان، لتأكيد التزام المملكة بتطوير هذا القطاع الاستراتيجي.
-شركة "آلات"
تأسست شركة "آلات" ضمن شركات صندوق الاستثمارات العامة، لتكون رائدًا وطنيًا جديدًا يساهم في جعل المملكة مركزًا عالميًا للصناعات المستدامة التي تركز على التقنية المتقدمة والإلكترونيات.
ستستثمر "آلات" 100 مليار دولار حتى 2030 لتعزيز قدرات القطاع التقني في المملكة. وهي تختص بتصنيع منتجات تخدم الأسواق المحلية والعالمية، ضمن سبع وحدات أعمال استراتيجية هي: الصناعات المتقدمة، وأشباه الموصلات، والأجهزة المنزلية الذكية، والصحة الذكية، والأجهزة الإلكترونية الذكية، والمباني الذكية، والجيل الجديد من البنى التحتية.
-البرنامج السعودي لأشباه الموصلات
يهدف البرنامج إلى دعم البحث والتطوير في تقنيات الرقائق الإلكترونية، وتأهيل الكوادر الوطنية في مجالات التصميم والإنتاج، وتمكين الباحثين في الجامعات السعودية من الوصول إلى أدوات متقدمة، وتحمّل تكلفة التصنيع.
-صندوق استثماري لتحفيز الشركات الناشئة
وفي يونيو 2024، كشفت المملكة عن صندوق استثمار بقيمة مليار ريال لدعم الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة في هذا المجال. يستهدف الصندوق رفع عدد الشركات العاملة في القطاع إلى 50 خلال 5 إلى 6 سنوات، وتقديم حوافز تشمل التمويل وتوفير الكفاءات التقنية المدربة.
-مركز القدرات الوطنية لأشباه الموصلات
أنشأت المملكة مركز القدرات الوطنية لأشباه الموصلات، الذي يوفر معامل وغرف نظيفة بمساحة 3,600 متر مربع، وشبكة بحثية بين الجامعات والقطاعات الحكومية والخاصة، وتدريب أكثر من 500 باحث وطالب سنويًا في تقنيات متقدمة. كما تم إطلاق برنامج ماجستير مشترك بين مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية "كاكست"، وجامعة الأميرة نورة، وجامعة كاليفورنيا – لوس أنجلوس، يجمع بين التعليم الأكاديمي والتدريب العملي في مختبرات متخصصة.
-أول هاكثون سعودي "تشيباثون"
وفي أبريل 2025، تم إطلاق أول هاكثون سعودي متخصص بمجال تصميم الدوائر المتكاملة في تقنيات أشباه الموصلات بعنوان "تشيباثون"، الذي تنظمه مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية "كاكست"، بالتعاون مع جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية "كاوست"، ورعاية شركة "آلات" المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، وشركة "سيمنس"، وشركة "CDT" القابضة.
-التجمع الوطني لأشباه الموصلات
أعلنت هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار عن إنشاء "التجمع الوطني لأشباه الموصلات"، والذي يهدف إلى توطين 50 شركة متخصصة في تقنيات الرقائق، وتدريب وتوظيف 5,000 مهندس سعودي، إضافة إلى جذب أكثر من مليار ريال من الاستثمارات التقنية بحلول 2030، وتقديم دعم يتجاوز 150 مليون ريال للشركات ضمن التجمع.
استثمارات استراتيجية في البنية التقنية
في إنجاز وطني غير مسبوق، أعلنت المملكة عن تصنيع أول رقائق ذكية داخل أراضيها بأيدٍ وعقول سعودية في 2021. وأكد عبدالله السواحه، وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، أن هذه الرقائق الذكية ستُستخدم في تطبيقات عسكرية وتجارية ومدنية، وتمتاز بقوة معالجية تفوق تلك التي استخدمت في رحلة الإنسان إلى القمر، بما يزيد عن 60 ألف ضعف.
وأشار السواحه إلى أن هذه القدرات التقنية تضاهي ما تستخدمه كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مثل "أبل"، "جوجل"، "مايكروسوفت"، "أمازون"، "آي بي إم"، "سيسكو"، "أوراكل"، و"علي بابا"، والتي تمثل مجتمعة أكثر من 60% من القيمة الابتكارية لأكبر 10 شركات تقنية في العالم.
من جانبه، كشف أحمد عالم، الرئيس التنفيذي لقطاع الاستراتيجية في شركة "آلات"، أن الشركة تعمل على تطوير منتجات متقدمة في وحدات أعمالها، على أن تدخل مرحلة الإنتاج بحلول 2030. ولفت إلى أن "آلات" ستسهم مباشرة بنحو 35 مليار ريال في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، كما ستحد من استيراد المنتجات الحيوية مثل أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية، مع تصديرها للأسواق العالمية.
وفي السياق ذاته، أوضح أحمد الفيفي، مدير البرنامج السعودي لأشباه الموصلات، أن المملكة قطعت شوطًا مهمًا في مجالات البحث والتطوير والابتكار في قطاع الرقائق الإلكترونية، من خلال التعاون مع جامعات ومراكز بحثية وطنية. وأضاف أن المملكة تمتلك معامل متخصصة لأشباه الموصلات بمساحة تصل إلى 1,600 متر مربع.
وأشار الفيفي إلى أن صناعة أشباه الموصلات تُعد رابع أكبر صناعة في العالم من حيث القيمة السوقية، بعد النفط الخام والسيارات والبتروكيماويات، إذ تبلغ قيمتها حاليًا نحو 500 مليار دولار، ومن المتوقع أن تتجاوز حاجز التريليون دولار بحلول 2030.
وكشف عن توجه البرنامج نحو إطلاق المرحلة الثانية، والتي ستركز على تمكين الباحثين والطلاب في المملكة من الدخول إلى مجال تصميم وتصنيع الرقائق الإلكترونية، وإتاحة تقنيات التصنيع العالمية أمامهم، من خلال التعاون مع مصانع دولية ومنصات اختبار متقدمة.
شراكات دولية
في مايو الجاري، كشف جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة "إنفيديا"، أن الشركة ستبيع أكثر من 18 ألف رقاقة ذكاء اصطناعي حديثة لشركة "هيوماين" السعودية، التي تم إطلاقها مؤخرًا وهى إحدى الشركات المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، والتي تهدف إلى تطوير وإدارة حلول وتقنيات الذكاء الاصطناعي، والاستثمار في منظومة القطاع.
حرصت السعودية على إقامة شراكات استراتيجية مع مؤسسات دولية رائدة. في هذا السياق، وقعت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية "كاكست" شراكات استراتيجية مع شركة "سي دي تي" الدولية، لتطوير صناعة أشباه الموصلات في المملكة، من خلال تعزيز قدرات المملكة في مجال صناعة الرقائق الدقيقة، وتأهيل الكوادر البشرية في مجال تصميم وتوطين الرقائق الإلكترونية، وجلب التمويل للبحث والتطوير والإنتاج في هذا المجال.
أما الشراكة الثانية كانت مع شركة "ستالرويف" التقنية التي تركز على تصميم الرقائق الإلكترونية، وبناء المواهب، وتطوير الاتصالات اللاسلكية عالية السرعة وحلول استشعار أشباه الموصلات السيليكونية.
تحديات تواجه طموحات المملكة التقنية
تواجه السعودية عدة تحديات في سعيها لتوطين صناعة الرقائق الإلكترونية، وهي صناعة تُعد من الأكثر تعقيدًا وتقدمًا تقنيًا في العالم. أحد أبرز هذه التحديات هو نقص الكفاءات البشرية المتخصصة، إذ تتطلب هذه الصناعة خبراء في مجالات مثل الهندسة الكهربائية وهندسة المواد وعلوم الفيزياء وتقنيات النانو. ورغم أن المملكة بدأت في تطوير منظومتها التعليمية، إلا أن بناء قاعدة بشرية مؤهلة يستغرق وقتًا طويلاً وجهودًا مكثفة في مجالي التعليم والتدريب.
بالإضافة إلى ذلك، تواجه المملكة تحديًا كبيرًا في توفير البنية التحتية الصناعية المناسبة، حيث تعتمد صناعة الرقائق على مصانع متطورة جدًا تُعرف باسم "فاب" (FAB)، تحتاج إلى بيئات فائقة النظافة وتكنولوجيا دقيقة جدًا. علاوةً على أن إنشاء مثل هذه المصانع يتطلب استثمارات ضخمة وجهودًا هندسية وتنظيمية معقدة.
من بين التحديات الجوهرية أيضًا هو الاعتماد على سلاسل التوريد العالمية المعقدة، إذ تتوزع مراحل إنتاج الرقائق بين دول عديدة، مما يجعل الصناعة عرضة للتأثر بأي اضطراب في سلاسل الإمداد.
لا يمكن تجاهل أن هذه الصناعة تتطلب استثمارات ضخمة وعائدات طويلة الأجل، وهو ما قد يجعلها أقل جاذبية للمستثمرين المحليين الذين يفضلون مشاريع ذات عوائد أسرع. بناء مصنع واحد متكامل لإنتاج الرقائق قد يكلف مليارات الدولارات، فيما تبدأ العوائد عادة بعد سنوات من التشغيل، مما يستلزم دعمًا حكوميًا وتحفيزًا ماليًا طويل الأجل لجذب الاستثمارات.
تعتمد كبرى الشركات المصنعة للرقائق على الابتكار المستمر لتحسين الأداء وتقليل التكلفة، وهو ما يستوجب من المملكة الاستثمار في مراكز أبحاث تقنية، وتكوين علاقات مع جامعات ومؤسسات بحثية عالمية لنقل المعرفة والتقنيات. وأخيرًا، تحتاج المملكة إلى تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية الخاصة بهذه الصناعة بما يتوافق مع المعايير الدولية الدقيقة. الرقابة على الجودة، حماية الملكية الفكرية، والمعايير التقنية تعتبر ضرورية لجذب الشركات العالمية والتأكد من أن المنتجات السعودية تلبي متطلبات السوق العالمية.
وفي الختام، يُعد توطين صناعة الرقائق الإلكترونية في السعودية خطوة استراتيجية نحو بناء اقتصاد معرفي متقدم وتقليل الاعتماد على الواردات التقنية. ورغم التحديات الكبيرة التي تواجه هذا الطموح، فإن الإرادة السياسية والدعم الحكومي والاستثمارات المتنامية في البحث والتطوير تمثل عوامل واعدة لتحقيق هذا الهدف. ومع الاستمرار في بناء الشراكات الدولية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز القدرات البشرية، يمكن للمملكة أن تمهد طريقها لتكون لاعبًا مؤثرًا في واحدة من أهم الصناعات مستقبلًا.